افتتاحيات النداء الأسبوعية
ظاهرة المنتديات والحنين إليها مطلع العام الجديد
24/1/2010
كل الدول الحالية بلا استثناء يقوم فيها نوعان رئيسيان من الحياة – حياة مدنية وحياة عسكرية – يطلق عليهما تجاوزاً المجتمع العسكري والمجتمع المدني. وقد نشأت الحياة العسكرية ضمن الدول منذ القدم، لحاجة كل دولة إلى مجتمع عسكري يتخصص بحمل السلاح من أجل سلامة الوطن وحفظ أراضيه والدفاع عنه ضد أي تهديد محتمل يأتيه من الخارج .
والحياة العسكرية تقوم على المراتبية الهرمية، وعلى الانضباط الحديدي، وتحكمها القاعدة التالية ( نفِّذ ثم اعترض ). وهي على عكس الحياة المدنية لا تناسبها الديمقراطية والعقد الاجتماعي بين مكوناتها. والدول الراقية تجمع بين النوعين، وتديرهما بحيث لا يتدخل المجتمع المدني بحياة العسكر، ولا العسكر بحياة المدنيين، بل يتجاورا ويتناغما بما يخدم مصلحة الوطن .
أما في الدول المتخلفة، فقد طغى المجتمع العسكري على المجتمع المدني، وهيمن عليه وصبغه ببنيته. فالتخلف سمح للعسكر– الذين يملكون السلاح والقوة – بتمديد نفوذهم في الداخل، ليشرفوا على ويتحكموا بالحياة المدنية تحت حجة ضرورة الانضباط العسكري من أجل درء الفوضى ومواجهة الخارج الطامح بثروات الوطن .
من نافل القول إن النظام العالمي السابق أعطى دفعة قوية للحياة العسكرية في كل مكان، وخاصة في البلدان المتخلفة. والمكتوب يقرأ من عنوانه، وعنوان النظام العالمي السابق هو العسكرة ( معسكران ).
والآن وبعد سقوط ذلك النظام ومجيء نظام عالمي جديد، تدعمه حضارة البشرية الداعية إلى حل النزاعات بين التجمعات البشرية عبر التفاوض وليس عبر القوة، بدأ المجتمع العسكري يفقد بريقه، في حين تعالت الأصوات التي تنادي بالمجتمع المدني في الدول المتخلفة واستقلاله عن المجتمع العسكري، وتجاوره معه بشكل صحيح لخدمة الوطن والمواطن .
سورية بلدنا الحبيب، طغت فيها الحياة العسكرية على الحياة المدنية في النصف الثاني من القرن العشرين. وشعارها كان وما يزال – لا صوت يعلو فوق صوت المعركة – والحياة العسكرية فُرِضت على طلابها وموظفيها تحت اسم الفتوة والجيش الشعبي. وكل شيء يتم فيها من أعلى إلى أسفل، وفي كل دائرة أو مؤسسة حكومية يقال للمراجع بشأن قضيته ( إنها أوامر تأتينا من أعلى لا ناقة ولا جمل لنا فيها). ولم يتذكر الشارع السياسي السوري المجتمع المدني إلا في بداية هذا القرن. بدأ القرن الواحد والعشرين في سورية بحراك اجتماعي نسبي كانت أولى براعمه تشكيل لجان من أجل إحياء المجتمع المدني. تلاها انتشار ظاهرة المنتديات في طول البلاد وعرضها، وقد تم إغلاقها جميعاً كما هو معروف. وكان أطرف ما كتب عن إغلاقها ما قاله الصحفي شعبان عبود بعد إغلاق منتدى الحوار الثقافي في اللاذقية بالقوة العارية ، وبطريقة مختلفة عن إغلاق باقي المنتديات :
( في مساء يوم الاثنين 15 / 8 / 2005 ، اقتحم رجال الأمن السياسي المنتدى المعقود في غرفة صغيرة بحضور ثلاثة عشر مشاركاً فقط، وحالوا دون إتمام الجلسة، وصادروا أوراق المشاركين ، واقتادوا الحاضرين إلى فرع الأمن ولم يفرجوا عنهم إلا بعد تعهد خطي بعدم عقد المنتدى مرة ثانية ) .
تذرعت السلطة السورية آنذاك بالضغوط الخارجية عليها والخوف من استثمار المنتديات لتقديم المزيد من التنازلات إلى الخارج الطامع بثرواتنا! فبماذا تتذرع الآن بعد أن رحلت إدارة بوش، وتلاشت الضغوط على سورية، ما الذي يمنع من عودة تلك المنتديات بحيث تُعدِّل موازين القوى المختلة حالياً في بلدنا لمصلحة كل ما هو رجعي وقديم ؟!
في اليوم الأخير من العام المنصرم، نقلت المصادر الإعلامية تحذير د. بثينة شعبان مستشارة الرئيس من تعاظم المد الديني في سورية، وقولها خلال اجتماع حزبي في دمشق:
" نحن أمام تحد كبير . . . هناك مد ديني متعصب في البلد حقيقة، ويجب علينا أن نفهم أن هذا المد هو نتيجة فشلنا وليس نتيجة نشاط الآخرين . لأنه حين يوجد الفراغ السياسي فلا بد للآخرين أن يملأوا هذا الفراغ".
نحن نعتقد أن السماح للمنتديات بالعودة إلى التبرعم من جديد في سورية يساهم في ملء الفراغ بطريقة لا تخدم المتعصبين سواء كانوا دينيين أم غير دينيين. والأمر لا يحتاج إلى الكثير من الجهود والقرارات. إنه يحتاج أكثر ما يحتاج إلى أن تغادر السلطة خوفها من شعبها وتطلعاته الديمقراطية، إذا أرادت فعلاً أن تضع مصلحة سورية وطناً وشعباً ضمن اهتماماتها وواجباتها.
23 / 1 / 2010
الرابط
أرسل لصديق





















