افتتاحيات النداء الأسبوعية
الحالة التعليمية في سورية : مواسم البؤس والخوف
01l08/2009
قد لا تبدو عقدة الشهادة الثانوية منفصلة عن سياق عام، تعكس فيه السياسة التعليمية ما يمثّله النظام من مفاهيم القهر والتسلط والخوف، والقلق اللامتناهي الذي يلازم المواطن السوري في كل مراحل حياته، ويتجلى المنهج التعليمي الرسمي في التلقين والتحفيظ والتخويف، والحشر القسري للشعارات والهتافات والتصفيق، وتظاهرات الولاء والوفاء الأبدي والتمجيد الأبوي، مما يؤدي إلى تعطيل العملية التعليمية، كل ذلك من أجل ترسيخ فكرة الطاعة والخضوع ،والتعلق بوهم ضمان مستقبل يحقق الحد الأدنى لمستويات الحياة العادية، عبر الالتحاق بهيئات الولاء المطلق تحت يافطات الحزب الحاكم وما دار في فلكه من مؤسسات هي في المحصلة منصات تلصص وستائر للتجسس على كل شاردة و واردة يقوم بها المواطن أياً كان وصفه أو نعته .
يؤكد" التقرير الوطني للتنمية البشرية 2005" أن نسبة عدم الالتحاق بالصف الأول الأساسي تصل في حدها الأدنى إلى 6.1 % حسب البيانات الرسمية، ونسبة تقدر بـ 25% من طلاب مرحلة التعليم الأساسي يتسرّبون منها قبل إتمامها، كما أن معدل القيد الصافي في الصف الأول الثانوي يتدهور لتبلغ نسبته ما بين 32 - 33 % فقط مما يعني أن حوالي 67% من طلابنا لا يتابعون تعليمهم الثانوي النظامي. كما اتبعت السياسات التربوية خلال الأعوام السابقة توجيه ما نسبته 40 ـــ 70% من الناجحين في شهادة التعليم الإعدادي إلى التعليم المهني حيث أن 41.2 % من عدد الطلاب المقبولين في الصف الأول الثانوي المهني لعام 2004 - 2005 عزفوا عن التسجيل فيه وانخرطوا في سوق العمل دون تعليم مهني أو مهارات نظامية لتصل نسبة الفاقد الإجمالي من الصف الأول المهني وحده إلى 45.98 % وهي نسبة مريعة في هدر رأس المال البشري.
وتؤكد دراسة مقارنة بين عامي 1994 و2004 أجراها المكتب المركزي للإحصاء، أنه لم يحدث تبدل كبير في التركيب التعليمي للسكان السوريين من العمر ١٥ سنة فأكثر. فلا تزال نسبة حملة الابتدائية تشكل ٦٨,٩ % من مجموع السكان ، وانخفضت بأقل من 1،5% بين 1994 و2004، على الرغم من ارتفاع عدد السكان في هذه الفئة التعليمية من( 5,387) إلى(7,280) ألف نسمة في الفترة المدروسة. تبين هذه الدراسة الرسمية بوضوح أن الحالة التعليمية تتدهور باطّراد في بلادنا، ولا حياة لمن تنادي!
إن إنجاز الحلول الضرورية لتطوير المستوى التعليمي وتلافي الإنحدار التدريجي المستمر في مؤشرات التنمية البشرية، ذات الإرتباط الحيوي بالمسألة التعليمية، يلزم البدء بالالتفات إلى رفع المستوى المعاشي للمعلمين مربي الأجيال، والاهتمام باشاعة ثقافة الإبداع والبحث، في مواجهة ثقافة الاتباع والتمجيد، وإزاحة سوط الخوف المسلط فوق رؤوس المعلمين والطلاب، ألا وهو الخشية الدائمة من إبداء الرأي أو التلفظ بكلمة يفهم منها نقد للسلطات، أو تأفف من سوء الحالة المعيشية، لأنه بات شائعا للأسف في أذهان الأبناء والآباء أن ـ الحيطان لها آذان ـ وكل ما تقوله محسوب عليك، ورب كلمة أودت بصاحبها سنوات طوال في غياهب السجون.
الطفولة والشباب لا ينموان نموا صحياً وطبيعياً إلا في أجواء من الأمن الداخلي الحقيقي والحرية والمساواة والإحساس بالإنتماء الحقيقي للوطن والأرض وليس للأشخاص أو السياسات.
أبناء سورية عرفوا بريادتهم التاريخية والحضارية، ومن ضمنها السبق في تأسيس الجامعات على مستوى الوطن العربي. ولم يعرف وطننا مثل هذا التدهور التدريجي إلا في العقود الأخيرة التي صار فيها المواطن آخر اهتمامات السلطة، وبات الوطن ثانيا وربما رابعا بعد القائد والحزب و الشعار.
الرابط
أرسل لصديق





















