ENGLISH العربية

المجلس الوطني  spacer   إعلان دمشق في سورية  

31 تموز 2010
ص. محلي

مركز النشاطات

شاركناشاركنا أنشئ مدونتك الخاصةأنشئ مدونتك الخاصة
ناقشناقش أكتب رسالةأكتب رسالة
اشترك بالقائمة البريديةاشترك بالقائمة البريدية وقّع على عريضةوقّع على عريضة
أخبر صديقكأخبر صديقك اتصل ببرنامج تلفزيونياتصل ببرنامج تلفزيوني
تبرعتبرع تطوعتطوع

غرفة الأخبار

فعالياتفعاليات بيان صحفيبيان صحفي
النشرة البريديةالنشرة البريدية RSS خدمةخدمة RSS
معلومات الاتصالمعلومات الاتصال  

فداء الحوراني:
المناضلة من أجل الحرية

رياض سيف:
الوطني الذي لا يكل

رياض سيف: الوطني الذي لا يكل

 

قصة الوطني الذي لا يكل

رياض سيف هو معارض سوري ولد في دمشق 1946 لعائلة متوسطة. بسبب عمله الجاد و المتواصلفي القطاع الصناعي أصبح رجل أعمال ذو ثروة. في عام 1994 وبعد تشجيع أصدقائه للمشاركة في السياسة دخل المعركة الانتخابية وانتخب كعضو مستقل في مجلس الشعب .

في البرلمان السوري دعى إلى تحديث فوري للقطاع الصناعي، بسبب هذه الدعوى قام النظام السوري بالتدخل في شركات السيد رياض سيف، فرض ضرائب غير عادلة وفرض القيود على ممتلكاته. رغم هذه التحديات المالية قام بترشيح نفسه للدور التشريعي التالي لمجلس الشعب للعام 1998 وفاز هذه الانتخابات بنصر كبير وحصل على نتائج غير مسبوقة عن محافطة دمشق.

في آب عام 2000، أخذ المبادرة للدعوة العلفنية في مجلس الشعب لانهاء حالة الطوارئ المفروضة على البلاد منذ استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963. لاحقاً نظم السيد رياض سيف مجموعة غير رسمية عرفت باسم (تجمع إحياء المجتمع المدني) قامت بمناقشة قضايا سياسية في منزله. قام السيد رياض سيف بالتعمق أكثر في العمل السياسي عندما قام بتشكيل (حركة السلم الاجتماعي في العام) في العام 2000.. في نفس العام و بعد دعوته لصياغة جديدة للدستور تسلمم السيد رياض سيف رسالة من المدعي العام يتهمه فيها بمخالفة الدستور. في السادس من أيلول عام 2000 اعتقل السيد رياض سيف، خلال فترة اعتقاله تعرضت زوجته للتحرش والمضايقات عدت مرات من النظام. في الرابع من نيسان عام 2001 تم الحكم على السيد رياض سيف بالسجن لمدة خمس سنوات بعد تجريمه بتهمة (محاولة تغيير الدستور بطرق غير مشروعة) تراجعت صحته بشكل كبير خلال فترة سجنه. بعد اطلاق سراحه بعد ما قضى خمسة سنوات في السجن مازال يعمل من أجل الديموقراطية في سورية.

السيد رياض سيف كان أحد الأعضاء البارزين في تأسيس إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي وقد تم انتخابه رئيساً له. اعتقل من قبل النظام الحاكم في الثامن و العشرين من كانون الثاني عام 2008 على إثر مشاركته في أول أمانة عامة للمجلس الوطني لإعلان دمشق عام في كانون الأول 2007. اليوم هو مسجون بعيداً عن العنايه الطبية التي يحتاجها بشكل كبير.

رواية الأستاذ رياض سيف لتجربته الشخصية

هموم في الصناعة و السياسة

قال تعالى في كتابه العزيز:( فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)                       صدق الله العظيم

لقد ضمن الدستور السوري جميع الحريات الأساسية، كما ضمن بشكل واضح مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين، وسيادة القانون على الجميع كما أكد على فصل السلطات الثلاث، وحدد دور كل منها في إدارة الدولة ورعاية مصالح الشعب.

على الرغم من ضخامة التحديات التي تواجه اقتصادنا والمعاناة التي تزداد وطأتها على شعبنا يوماً بعد يوم ما فتأت فئة من أصحاب المصالح الخاصة تحاول ذر الرماد في العيون، تتشدق بإنجازات لم تساهم في تحقيقها وتعطي صورة مضللة لإنجازاتها الوهمية فمن يسمع خطاب الحكومة في كل مناسبة يظن أننا أنجزنا كل شيء، وما علينا إلا أن نستريح وننعم بتلك الإنجازات، وما أن نتوجه إلى واقع الحال حتى نرى حالة مرعبة من الفقر والإحباط وضياع الحقوق واستفحال الفساد، مما يهدد مستقبل الأمة بأسرها، بعد أن استنزفت مواردها المادية وأغلق الباب أمام ما نحتاجه من تفعيل ديمقراطي.

عام 1987 تسلم السيد محمود الزعبي رئاسة مجلس الوزراء في ظل ظروف محلية وإقليمية ودولية بالغة الدقة والخطورة إذ كان العالم يعيش مخاضات شديدة ومتسارعة تنبئ بولادة عالم جديد تتزعمه الدول الصناعية الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، التي تسعى لتحويل العالم إلى سوق واحدة، تعتمد على المنافسة الحرة، عالم لا حياة فيه للضعفاء.

في ظل تلك الأجواء أصبح لزاماً على الحكومة السورية أن تعيد النظر بسياستها الاقتصادية فابتدعت ما سمته بالتحول التدريجي نحو اقتصاد السوق مع الحذر الشديد خشية الانزلاق، وكان ذلك تغطية مناسبة لهروب مع اعتماد برنامج حول اقتصاد واضح ينفّذ ضمن خطط معلنة، مما سمح لها بالتصرف كيفياً واتخاذ القرارات الاقتصادية بما ينسجم مع مصالح فئة صغيرة على حساب الأكثرية مستخدمة أدوات فضفاضة مثل لجنة ترشيد الاستيراد والتصدير والمجلس الزراعي الأعلى وغيرها من الهيئات واللجان، فأصبحت القرارات تفصل على قياس تلك الفئة من المستفيدين التي تشكلت من بعض المسؤولين وأبنائهم وشركاءهم من التجار، ومن خلال التعقيدات في معاملات المواطنين واستفحال البيروقراطية أصبح لا مفر من دفع الاتاوات ابتداء من التعاقدات الكبيرة مع الدولة وانتهاء ببيع فرصة عمل في الدولة قد لا يتجاوز الراتب فيها 3000 ليرة سورية مما أدى إلى انتقال جزء كبير من أموال المواطنين والمال العام إلى جيوب تلك الفئة وحساباتها في الخارج.

لقد ساعد في الوصول لهذه الحالة مئات القوانين القاصرة والمهترئة التي تجبر المواطنين على مخالفتها بشكل جماعي بالإضافة إلى هزالة الرواتب التي جعلت الكثير من موظفي الدولة مستثمرين لمناصبهم يفرضون ما يحلو لهم من الاتاوات بما يتناسب مع حاجة المواطن لتوقيعهم واتقاء شرورهم.

رغبة من الحكومة في استمرار تلك الفوضى فقد حرصت على عدم تحديث القوانين وعدم رفع الرواتب كما يتبين من كلام رئيس مجلس الوزراء في مجلس الشعب حيث قال في سياق رده على مطالبة أعضاء المجلس بزيادة الرواتب ((ليس عيباً أن يبيع المعلم الخضار على الرصيف بعد الدوام كما أن أغلب الموظفين في الدولة يحصلون على عمل آخر بعد الدوام وهذا يعني توفر فرص العمل في سورية بمعدل فرصتين لكل طالب)) وأتبع ذلك بحجج ليس من مصلحة الوطن ذكرها.

في خضم التحولات الاقتصادية العشوائية صدر قانون الاستثمار رقم (10) وقد دس في مادته الثالثة جملة ((وسائل النقل)) استأثرت بإعفاءات من الرسوم الجمركية تزيد عن 50 مليارليرة سورية إضافة إلى إعفاء من ضريبة الدخل لخمس سنوات على الرغم من أن هذه الجملة تتناقض مع روح القانون وأسبابه الموجبة، وقد توزعت تلك العطاءات السخية من الحكومة على عدد لا يزيد عن مائة شخص كل من يعود إلى قوائم أسمائهم اكتشاف سر وجود هذه الجملة في القانون، وفي الطرف الآخر فان الموظف والعامل مجبر على دفع ضريبة دخل بنسبة 11% عن راتبه البالغ 5000 ليرة سورية دون الاكتراث بأن مثل هذا الراتب لا يرقى إلى تغطية الحد الأدنى الضروري لمعيشة العامل وعائلته وإذا أردنا الاستطراد في ذكر الأمثلة عن ما نعيشه من تناقضات لاحتجنا إلى عشرات المجلدات.

وفي السياسة الاقتصادية للحكومة فقد سعت إلى مضاعفة التحصيلات الضريبية وبشكل عشوائي وعدم صرف نسب كبيرة من مخصصات المشاريع الاستثمارية في الموازنة وتقليص ما كانت تدفعه الدولة من دعم للمواد الأساسية وعدم رفع الرواتب رغم ارتفاع نسب التضخم.
وقد تمكنتْ بكل تلك الإجراءات من تحقيق هدف تثبيت سعر صرف الليرة ولكن تلك السياسة أوصلت الاقتصاد السوري إلى مأزق صعب ليعيش حالة من الجمود والتخلف عن مثيلاته في الدولة المنافسة حيث بات اقتصاداً راكداً وغير قادر على التفاعل مع استحقاقات التحديات القائمة.
إن الفئة المستفيدة من تلك السياسات حريصة كل الحرص على أن لا تعكر صفوها أية مراقبة أو محاسبة حقيقية ولذلك تسعى بكل الأساليب إلى تهميش دور أعضاء مجلس الشعب والتعامل مع كل عضو بما يتناسب مع موقفه منها، ومن يحاول تعكير صفو تلك الفئة بفضح أخطائها فسيكون الخاسر قطعاً في معركة غير متكافئة..
لقد حرصت الحكومة دائماً على التعتيم ما أمكن على أعضاء مجلس الشعب بعدم تمكينهم من الحصول على أرقام تفصيلية وأبرز مثال على ذلك هو اختصار عدد النسخ من الجداول التفصيلية لإغلاق ميزانيات الدولة المقدمة للمجلس على ثلاث نسخ تحصل منها لجنة الموازنة على نسخة واحدة فقط، ولكني تمكنت بشكل استثنائي من الحصول على نسخة من تلك الجداول وقمت بإفراغها على الحاسوب ضمن برنامج مكنني بكل بساطة من تحليل جميع أرقامها وإجراء المقارنة والمجاميع لعدد من السنين كما أعطاني العديد من التقارير والدراسات المنشورة منها وغير المنشورة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية مما مكنني من إظهار الكثير من الأرقام الحقيقية التي تتناقض مع ما تعلنه الحكومة الأمر الذي وضعني موضع العدو وبات لزاماً عليّ تحمل تبعات ذلك العداء وكل نتائجه.
رغم كل ذلك فان إيماني ظل راسخاً بأننا بحاجة ماسة ومصيرية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عن طريق إصدار مجموعة متكاملة من القوانين القادرة على إعادة الحركة لاقتصادنا وإعادة التوازن وضرورات المعيشة للأكثرية الساحقة من أبناء شعبنا عن طريق زيادة الإنتاج وتحسينه والعودة إلى مجتمع تكافؤ الفرص وسيادة القانون واستعادة السلطتين التشريعية والقضائية لكل ما تم انتقاصه من صلاحيتهما بما يكفل إعادة تفعيل كل فئات الشعب والسماح لها بالعمل تحت النور لقطع الطريق على كل المستفيدين من التستر والفوضى.
لقد فهمت فوزي بعضوية مجلس الشعب بمثابة تفويض من الناخبين للدفاع عن حقوقهم وكرامتهم ومستقبل أبنائهم وشعاري الأساسي في ذلك ((أن لا سلطة على عضو مجلس الشعب سوى سلطة الضمير)) وذلك من خلال ما ينص عليه الدستور السوري، والتزاماً بتوجيهات الرئيس حافظ الأسد حين قال في كلمته بتاريخ 19/11/1981 ((ولا يفوتني منذ اليوم الأول لانعقاد مجلسكم، أن أؤكد على الأهمية القصوى لممارسة المجلس مهامه الدستورية ممارسة تامة، وفي إطار المتابعة والديناميكية والدقة والرؤية الثاقبة لمصالح الشعب العامة ومن الخطأ والخطر ألا نرى بشكل واضح مدى السلبية التي تنجم عن أي تهاون أو تقصير بممارسة المجلس دوره كاملاً وهو المؤسسة التي اختارها الشعب كأعلى سلطة تشريعية أنها أمانة مقدسة أن يقوم كل منا بالدور الذي أوكله لنا الشعب وفي إطار الدستور الذي حددته الجماهير))..
لذلك رأيت من واجبي أن أقدم لكل مواطن غيور حقيقة المأساة التي عشتها والتي قادتني إلى حافة الإفلاس رغم ما قدمته للصناعة من خدمات وكل ما قدمته للعمالة السورية من حب وتقدير وفرص عمل شريف، ولا أبغي من ذلك مجرد إنصافي وتعويض ما لحق بي من معاناة دائمة ومنعتهم من الحصول على حقوقهم كمواطنين في حياة كريمة.
ولعرض تجربتي سأكتفي برواية المحطات الأساسية منها وأترك للقارئ العزيز مهمة الحكم والاستنتاج
في شتاء عام 1997 زارني في شركة اديداس سفير دولة الإمارات للتأكد مما سمع عن جودة منتجات الشركة وجوها الإنساني المتميز. قمنا بجولة استغرقت ساعتين رأى خلالها أناسا يعملون بجد ونظام، ترتسم على وجوههم ابتسامات صادقة تدل على الرضى والمحبة. وتوقف ملياً عند المنتجات المعدة بأغلبيتها للتصدير إلى أوروبا، ملابس رياضية تحمل أسماء (أديداس) و(ريبوك) و(سبيدو) وبدلات عمل تصنع خصيصا لشركات مرسيدس وأوبل الألمانيتين، وملابس نسائية من أرقى الأصناف تصنع خصيصا لكبريات الشركات الإنكليزية، ثم أتى دور قسم الخدمات الاجتماعية فزار المسرح الذي يتسع لـ 700 شخص ثم المطاعم التي تخدم العمال طيلة أوقات الدوام وحضانة الأطفال التي خصص فيها لكل عشرة أطفال مربية متخصصة وقسم الرعاية الصحية الذي يضم العيادات الداخلية والعينية والسنية ثم وقفنا طويلا في قسم الإشراف الاجتماعي الذي يعمل فيه ثلاثة من المختصين مهمتهم رعاية صحة العمال الجسدية والنفسية والوقوف معهم ومع عائلاتهم في مناسبات الأفراح والأتراح وتقديم الدعم المادي والمعنوي لأسرهم بعيدا عن أية بيروقراطية. وفي الختام زرنا مدرسة تعليم الخياطة ومركز التطوير الذي ساهم بتأسيسهم اثنان من الخبراء الألمان.
في نهاية الجولة عرضت عليه تناول الغداء في شقتي القريبة من المصنع فوافق على الفور حبا بالاستطلاع على ما أعتقد. وبينما زوجتي تحضر الطعام بادر إلى سؤالي باستغراب شديد هل هذا حقا بيتك الدائم أم أنه محطة؟ وقد عذرته لأن مساحة البيت لم تكن تتجاوز (90م2)، وهو بسيط بمحتوياته لا يتناسب مع كونه بيت رجل أعمال مثلي وعضو في مجلس الشعب. ثم زاد استغرابه عندما علم أن هذه الشقة ليست ملكي بل استأجرتها بعقد سياحي يجدد كل ستة أشهر لأني غير قادر على شراء شقة سكنية رغم أن ما تدفعه الشركة من أجور وخدمات للعاملين يزيد عن عشرة ملايين ليرة سورية شهريا، وأن متوسط ما صدرته في السنين الخمسة الأولى من عمرها بلغ   1.600.000.000 ل..س وأنها تملك توكيلا لإحدى كبريات الشركات في العالم (اديداس). وغادر السفير مندهشاً من المفارقة التي شاهدها، وتمت بيننا صداقة عميقة استمرت حتى مغادرته سورية
كان هذا التناقض الظاهر نتاجاً لأحداث مثيرة عشتها على امتداد السنين العشر الماضية والتي بمجملها صراعاً من أجل البقاء. لم يكن همي فيه إلا الحفاظ على حقوق الآخرين وعلى اسمي ومصداقيتي والاستمرار في الإنتاج الذي يعطيني المتعة كأحد أهم أسباب وجودي لأن الإنتاج هو الخلود والعطاء وتوفير فرص العمل الشريف هو أسمى الغايات.

 

بداية نشاطي الصناعي

 وفي صيف 1959 بعد أن أنهيت المرحلة الابتدائية، أتيحت لي أثناء العطلة الصيفية فرصة العمل في معمل للقمصان بأجر أسبوعي قدرته 6 ليرات سورية. ومن خلال العمل 12 ساعة يومياً على الأقل استطعت كسب ثقة رب العمل مما جعله يعرض علي أن أعمل بعد المدرسة مقابل ليرة سورية لكل ساعة! الأمر الذي وفر لي 90 ليرة سورية شهريا.
في صيف 1963 تبلورت كان لدى أخي الأكبر فكرة إقامة ورشة للخياطة ضمتنا أنا وأخي الآخر الذي كان معلما. كان مجموع ما وفرناه نحن الثلاثة بحدود (2800 ليرة سورية) وكانت كافية في ذلك الوقت لاستئجار المكان والبدء بإنتاج القمصان الرجالية. وخلال 10 سنوات أصبحت شركتنا (الاسم التجاري ماركة 400) أحد أهم معامل القمصان في تلك الفترة وربما أهمها على الإطلاق.
بقيت متابعتي للعمل تساير دراستي إلى أن أخذت الشهادة الثانوية وسجلت في كلية العلوم، لكن ضغط العمل منعني من الاستمرار في دراستي الجامعية، فتفرغت كليا للصناعة.
عام 1974 أصبحت حاجتنا ماسة لاستيراد احتياجاتنا من الأقمشة ولوازم الخياطة مباشرة وذلك للحفاظ على المستوى المتميز لمنتجاتنا وزيادة أرباحنا من العمل التجاري طالما أن السيولة وإمكانيات التطور متوفرة. ونظرا لإلمامي بمبادئ اللغة الإنكليزية التي اكتسبتها من دورات ليلية فقد كنت المرشح الأوفر حظاً بين إخوتي للسفر إلى أوروبا. فقمت في نيسان 1975 بأول زيارة إلى ألمانيا وساهم النجاح الكبير الذي حققناه في إحراز تطور سريع وبناء علاقة مرموقة مع أشهر شركات تصنيع الأقمشة في ألمانيا والنمسا مما جعل من شركتنا واحدة من أكبر مستوردي الأقمشة لحاجات مصنعنا والمصانع الأخرى.
لقد أتاحت زياراتي المتكررة إلى ألمانيا المجال لتحقيق رغبتي الجامحة في الاطلاع على آخر ما توصل إليه الألمان من تقنيات في صناعة الملابس فقمت بزيارات متعددة لشركات تصنيع القمصان الرجالية عالية الجودة وتنامت لدي الرغبة في إقامة منشأة جديدة للقمصان والبلوزات النسائية في سورية، أطبق فيها ما اطلعت عليه من خبرة في طرق التصنيع والإدارة. واستطعت تحقيق ذلك الحلم في عام 1980 فأسست فرعا جديدا لشركتنا وكنت المسؤول الأول عن إدارته وحرصت على أن يكون متميزا كل التميز باتباع الطرق العلمية في التصنيع على قاعدة صلبة من احترام العاملين والوفاء بحقوقهم الإنسانية والمادية فكان أول معمل في سورية تتوفر في وجبات الطعام المشترك وحضانة لأطفال العاملات وعيادة طبية وقسم للإشراف الاجتماعي وكلها خدمات مجانية إضافة إلى ملعب رياضي يتيح المجال للعمال ممارسة الرياضة ثلاث مرات في الأسبوع وكذلك منفذ بيع للمواد الاستهلاكي كفرع لوزارة التموين استطاع العامل من خلاله الحصول بسهولة على كل احتياجاتهم من المواد المقننة وبعض المواد الأساسية الأخرى بالإضافة إلى توفير النقل الجماعي المجاني.
كانت تجربة رائعة أشبه ما تكون بمباراة في الكرم قائمة باستمرار بين العمال والإدارة كل يريد أن يثبت أنه الأكثر كرما وعطاء. وجنى الجميع ثمار هذه العلاقة السامية فربح العمال وربحت الشركة وأصبحت واحدة من رموز الصناعة الوطنية ومبعث فخر واعتزاز كل العاملين فيها. استطاع هذا المصنع أن يطور إنتاجا مميزا بتكاليف معقولة ووصل عدد العاملين فيه إلى 320 عاملاً. وكانت الضرائب تدفع في حينها حسب خطة الإنجاز وكانت معقولة ولا تشكل عائقا أمام استمرار التطور في ذلك المصنع. وحتى نهاية عام 1988 كان كل المتزوجين من العمال قد تمكنوا من شراء شقق سكنية خاصة.

 

 النجاحات

في صيف عام 1987 وصلت شهرة هذا المصنع، الذي كنا نطلق عليه معمل (القدم) نسبة إلى اسم المنطقة، ذروتها فنشأت عندي فكرة بناء معمل آخر أضع فيه منذ البداية خلاصة ما تراكم عندي من خبرة. وسرعان ما انهالت علي العروض للمشاركة. واستطعت في فترة لا تتجاوز 10 أشهر (من منتصف عام 87 وحتى بداية نيسان 88) بدء الإنتاج في المصنع الجديد الذي ضم 280 عاملاً وأطلق عليه اسم (معمل داريا) وكان مثاليا حقا، ساعده على التميز بناؤه المناسب الذي صمم منذ البداية ليلبي كل الحاجات الضرورية للتصنيع والخدمات الاجتماعية
كانت حصتي فيه 5/30 سهم سجلت باسم ابني جواد مع احتفاظي بكامل الصلاحيات في الإدارة والتسويق مقابل نسبة أتعاب محددة
أضاف لي هذا المصنع مزيدا من الشهرة والثقة بالنفس وأصبحت تجربتي في المصنعين المذكورين حديثا يتناقله الناس وعلى الأخص التفاصيل المتعلقة بالخدمات الإنسانية المتميزة التي لاقت الإعجاب والتقدير من كبار المسؤولين في الحكومة والزبائن المحليين والأجانب وكل من زاره أو سمع أخباره من المخلصين الفخورين بوطنهم وشعبهم.
وعلى الرغم من الشكوك وعدم الثقة التي كانت الصحافة المحلية تبديها حيال القطاع الخاص الصناعي فان جريدة الثورة الرسمية خرجت عن المألوف وأفردت صفحة كاملة بتاريخ 09/07/1989 نشرته فيها كل تفاصيل تلك التجربة تحت عنوان (تجربة رائدة في القطاع الخاص الصناعي) حيث بدأت الفكرة عندما كان أحد الصحفيين في الجريدة وهو مشبع بالأفكار الاشتراكية يصغي لإحدى قريباته وهي تتحدث بعفوية عن سعادتها بما توفره الشركة من أجور مجزية وخدمات إنسانية واجتماعية.
في البداية لم يصدق كل ما سمعه فذهب بنفسه إلى الشركة والتقى عدداً من العمال والإداريين واستزاد بالمعلومات التي تعرفها نقابة النسيج في دمشق. وخلص إلى قناعة بأن هذه التجربة وطنية خالصة يجب أن تنشر بكل تفاصيلها عسى أن تحفز شركات القطاع الخاص الصناعي وشركات القطاع العام على السير على خطاها وتبين لهم مدى مساهمة جو العمل الإنساني في نجاح المشروعات الاقتصادية السورية.
وفي صيف ذلك العام زار الشركة كل من السادة الدكتور نائب رئيس مجلس الشعب للشؤون الاقتصادية ودهشوا لما شاهدوا وسمعوا من العاملين وقال أحدهم للآخر: (هل نحن ما زلنا في سورية أم وصلنا إلى سويسرا؟) ثم استطرد قائلا : )لا بل انه أفضل مما رأيت في سويسرا. ....(.
تكررت زيارات المسؤولين وضيوف الدولة من العرب والأجانب مثل وزير الصناعة المصري وأعضاء بعثة منظمة العمل الدولية وغيرهم في صيف 1989 ونتيجة إلحاحي الشديد وافق زوج ابنتي على التحول من التجارة إلى الصناعة. وهكذا ولدت منشأة جديدة توظف 200 عامل هي (شركة منعم وسيف). ساهمت فيها بنسبة الثلث كما أسهم والده بثلث آخر وزوج ابنتي بالثلث الثالث إضافة إلى تفرغه لإدارة المشروع. وتم شراء مكان قريب من معمل القدم وبدأ تجهيز المصنع.
في نفس الفترة طلب مني عدد من الأصدقاء مساعداتهم في إقامة منشأة أخرى لصناعة الملابس ونزلت عند رغبتهم ثقة مني بتوفر كل الشروط الضرورية للنجاح، خاصة وأن تجهيز مصنعين في آن واحد سيعطينا شروطاً أفضل بشراء ضعف العدد من الآلات والتجهيزات اللازمة. وقد تكفل اثنان من الشركاء بإدارة المشروع أحدهم دكتور مهندس والآخر صيدلاني.
في نفس الفترة تواجد في دمشق وفد تجاري من الاتحاد السوفيتي لشراء الملابس من سورية. ونظرا للنجاحات الكبيرة في تعاملنا معهم على مدى السنوات السابقة وانسجاما مع رغبة الاتحاد السوفيتي بالإسراع في تحصيل ديونه من سورية فقد تمكنت من توقيع عقد لتصدير القمصان الرجالية والملابس النسائية بمبلغ 4 مليون جنيه إسترليني وهو رقم كبير جداً قياسا بعقود السنين السابقة. على أن يتم التسليم طيلة عام 1990. لقد أخذت بعين الاعتبار عند التعاقد على تلك الكميات الكبيرة الطاقة الإنتاجية للمعامل الأربعة (القدم) و(داريا) و(منعم وسيف) ومعمل الأصدقاء الذي أطلقنا عليه اسم (حاكمة ودرويش وشموط وسيف وشركاهم)
بعد توقيع العقود المذكورة بدأت عل الفور بتثبيت شراء الكميات اللازمة من المواد الأولية التي كان نصفها تقريبا مستورد وعلى سبيل المثال بلغت حاجة تلك العقود من الحشوات فقط (من شركة (نينو الألمانية) ما يزيد عن 12 مليون ليرة سورية ودفعنا أكثر من هذا المبلغ ثمن الدانتيل من سويسرا. كما استوردنا (187) ألف متر ورق طباعة بقيمة 5 ملايين ليرة سورية تقريبا من فرنسا. هذا عدا قيمة الأقمشة المستوردة والمحلية التي زادت عن 100 مليون ليرة سورية
وبما أني المسؤول عن تأمين العقود للمصانع الأربعة فقد قمت بتثبيت جميع الكميات من المواد الأولية واللوازم مسئوليتي الشخصية حيث لم يكن واضحا تاريخ بدء الإنتاج في المعملين الجديدين، وتم تأجيل توزيع كميات العقود على المعامل الأربعة لوقت لاحق.
في بداية العام نفسه 1989 قمت بتأسيس شركة في شمال فرنسا لبيع الملابس السورية مباشرة للمستهلك الفرنسي تحت شعار (البيع المباشر) بهدف تغطية نسبة الـ 20% من الصادرات إلى روسيا الواجب تصديرها إلى الأسواق الحرة وكذلك لفتح سوق جديد لمنتجاتنا في أوروبا.
استطعت في آذار عام 1989 افتتاح أول صالة للبيع المباشر في فرنسا بمساحة 700م2 في مدينة سان تومير وقد لاقت نجاحا كبيرا شجعني على فتح صالة أخرى في مدينة ارمانتير في شهر أيلول من نفس العام. كان برنامجي يهدف إلى تأسيس شبكة من هذه المحلات في فرنسا وكان أهم أسباب نجاح هذا المشروع عدم وجود أي وسيط بين المستهلك الفرنسي ومصانعنا وكذلك الإعفاء الكامل للملابس السورية من الرسوم الجمركية مما مكننا من تقديم منتجات ذات جودة عالية بسعر يقارب نصف السعر المتداول في فرنسا. وقد امتلكت الشركة مركزاً رئيسيا لبيع الجملة بمساحة 2500م2. كما قمت في صيف نفس العام البدء بتأسيس مركز بيع بالجملة في دبي. حتى بداية الشهر العاشر من عام 1989 كانت كل المشاريع الإنتاجية والتسويقية التي قمت بها محط الإعجاب والإكبار من كل المطلعين عليها فالأرباح مجزية سواء في السوق المحلي أم في أسواق الاتحاد السوفييتي والسوق الفرنسي. كان المستقبل يبدو باهرا وكان جميع العاملين في جميع النشاطات الإنتاجية والتسويقية يشكلون فريق عمل متكامل ومتفان ومخلص يتمتع بالخبرة وينعم بالكفاية المادية والراحة النفسية.
الانسحاب المفاجئ لرئيف قباتي وعبد الرزاق الصوفي في الأسبوع الثاني من تشرين الثاني عام 1989 قدم إلى شركة (قباني وحملي وسيف وشركاهم) الشريكان رئييف قباني الذي كان يملك (11/30 سهم) وعبد الرزاق الصوفي (3/30 سهم)، وبدون سابق إنذار طلبا عقد اجتماع للشركاء. فاستدعيت بقية الشركاء وهم زهير الحملي 6/30سهم وعبد الله رحمون 2/30 سهم فطلب السيدان قباني والصوفي القيام بجولة في المصنع وراح رئيف قباني يبدي عدم رضاه عن كل ما يراه ويشكك بصحة كل المعلومات التي نقدمها له وفي الاجتماع الذي عقد بعد الجولة كان رئيف قباني منفعلاً جدا وبدأ يتكلم عن وضعه الصحي السيئ وطلب مني مساعدته بالخلاص من هذه الشركة الفوضوية التي قد تسبب له أزمة قلبية جديدة تقضي عليه. كنت في حالة من الذهول للتناقض الكبير في صورة الشركة كما يراها رئيف قباني والصورة المشرقة التي يثبتها واقع العمل ونتائج حسابات الشركة، حاولت أن أجد لذلك تفسيرا لكن دون جدوى وفوجئت كثيرا عندما عرض علي رغبته في بيع حصته بالسعر الذي احدده وأكد لي أنه يقبل بأي سعر أضعه وبعد أن فكرت لبضع دقائق وضعت سعرا مجزيا متوخيا الأمانة مع ثقتي بأنه الطرف الخاسر في المستقبل لما كنا نتوقعه من خير كبير على المدى البعيد.
قبل رئيف قباني عرضي فورا وطلب جدولة الدفع حيث كان المبلغ الناتج عن قيمة بيع حصته مضافاً إليه ما كان قدمه من القروض للشركة (53) مليون ليرة سورية وقدمت اقتراح بطريقة الجدولة فقبله فورا. بعد أن قرأنا الفاتحة على نية التوفيق في هذه الصفقة، فاجأني عبد الرزاق الصوفي (الذي تربطه صلة قرابة وصداقة مع رئيف قباني) برغبته بالبيع بنفس الشروط مع استعطافي لأخذ وضعه المالي الضعيف بعيد الاعتبار والإسراع في تسديد قيمة حصته المسجلة باسم زوجته هالة يونس وحتى تلك اللحظة لم أشك بأي سوء نية من تلك الصفقة المستعجلة، وانتهى الاجتماع في الشرة في الساعة الثالثة ظهراً بعد الاتفاق على كل شيء وطلب السيد رئيف قباني توثيق البيع والمدفوعات في مساء نفس اليوم بسبب اضطراره للسفر في اليوم التالي.
وفي الساعة السابعة تم الاجتماع في بيت رئيف قباني وكانت كل وثائق العقود والدفع مهيأة من قبل محامي رئيف قباني السيد محمد الغضبان. وعندما قرأت التعهد الذي يجب أن أوقعه، والقاضي بإلزامي بدفع الضرائب مهما كان نوعها ومصدرها والأسباب التي تفرض فيها، حتى في حال إلغاء الإعفاء الضريبي الذي تتمتع به الشركة حاليا أو أية ضرائب أو رسوم تطالب بها الشركة منذ بدء تأسيسها، اعتبرت أن الخوض في تلك التفاصيل حذلقة من قبل المحامين ليعطوا عملهم قيمة تغطي ما يتقاضونه من أجور مرتفعة لأن الشركة أصلا معفاة من جميع الضرائب حسب المرسوم 103 لعام 52 والذي جرى تثبيت انتفاعها به من قبل مراقبي الدخل في مناسبات عديدة ولم يحصل في تاريخ سورية أن سمعنا بأن وزارة المالية ألغت استفادة أي شركة من الإعفاء الصناعي.

 

التوقف المؤقت لصادرات روسيا وبداية الكارثة

بعد عشرة أيام من خروج قباني والصوفي من الشركة طلبت وزارة الاقتصاد توقيف الشحن إلى الاتحاد السوفييتي مؤقتا بحجة إجراء مسح للوصول إلى إحصائيات دقيقة لمجمل ما تم تصديره بغية تنظيم عمليات التصدير في المستقبل واستبعاد عمليات التصدير الوهمية التي قام بها البعض وخاصة مصدري الشامبو والعطور بالتواطؤ مع الطرف السوفييتي، حيث كانت تحدث عمليات تلاعب غير معقولة. بعد أسبوعين من ذلك القرار زار شركة (داريا قباني وحملي وسيف) سابقاً خمسة من أعضاء القيادة القطرية من بينهم السيد رشيد اختريني المسؤول الاقتصادي في القيادة القطرية. أبد الجميع إعجابهم بكل ما رأوه بالشركة. وطمأنني السيد اختريني بأن توقيف الشحن إلى الاتحاد السوفييتي يهدف إلى قطع الطريق على كل المتلاعبين ممن يقومون بالتصدير الوهمي. وقال أننا سنقطع الطريق على الذين يصدرون مياه صفراء باسم شامبو أما المصدرون فسيلقون كل الرعاية. وبعد هذه الزيارة زال القلق الذي كنت أعيشه واستمر الإنتاج بالشكل الطبيعي وكان بحدود 5000 قطعة يوميا مخصصة إلى الاتحاد السوفييتي والسوق الفرنسي والسوق المحلي.

 

شروط تعجيزية

قبل نهاية العام جاءت الضربة الموجعة الثانية التي تمثلت بتعليمات وزارة الاقتصاد بضرورة حصول المصدرين إلى الاتحاد السوفييتي على إجازة مسبقة للتصدير وبأن أحد شروط الحصول على الإجازة هو تسديد جميع التعهدات السابقة والقاضية بتصدير ما نسبته 20% من صادرات الاتحاد السوفييتي إلى الأسواق الحرة، وكانت هذه التعهدات متراكمة لعدد من السنين لعدم استطاعة البضائع السورية المنافسة في الأسواق الحرة وخاصة من ناحية الجودة.
ونظرا لضخامة حجم التعهدات تلك وللفرق الكبير في تحديد سعر دولار الصادرات إلى الاتحاد السوفييتي بـ 2.11ليرة سورية لكل دولار بينما سعر دولار الحر يعادل 4 أضعاف (أي أن نسبة الـ 20% هي في الحقيقة 80%) دبت الفوضى نظرا للطلب الشديد على التصدير للسوق الحر واستفادة مكاتب الشحن بفرض عمولة تراوحت بين 2-5.3 ليرة سورية لكل دولار تصدير وبلغت تعهدات التصدير لمجمل شركتي القدم وداريا والتي لم نستطيع تسديدها 5 مليون دولار أي اضطررنا إلى دفع ما يقارب 12 مليونا ليرة سورية لتغطيتها وبعد أن أتممنا تسديدها تقدمنا بطلب الحصول على إجازة تصدير فجاء قرار وزارة الاقتصاد بوجوب إعادة القطع الناتج عن الصادرات إلى السوق الحر قبل الحصول على إجازة جديدة للتصدير للاتحاد السوفييتي ونتيجة لعدم تمكن الكثير من المصدرين، ومنهم شركتنا، من القيام بذلك فقد نشأت سوق جديدة يسدد فيها من يملك المال تعهدات إعادة القطع ويتقاضي عمولة (1-3) ليرة سورية على تسديد كل دولار مع احتفاظه بحق الاستيراد الناتج عن تسديد دولار التصدير واضطرت الشركة لإتمام هذه العملية إلى دفع ما يقارب 10 مليون ليرة سورية أخرى بالإضافة إلى خسارتها حق الانتفاع من دولار التصدير في تمويل مستورداتها. وخلال الفترة بين وقف الشحن إلى الاتحاد السوفييتي والحصول على أول إجازة امتلأت مستودعاتنا بكميات كبيرة من البضائع الجاهزة والمواد الأولية المحلية والمستوردة، مما اضطرنا إلى توقيف ثلثي العمال بالتناوب لفترة زادت عن ثلاثة أشهر ودفع أجورهم أثناء عطلة العمل مما أضاف خسائر جديدة.
وعند حصولنا على إجازة التصدير ظهرت مشكلة عدم توفر السفن الكافية لشحن البضائع لأن المصدرين الكبار من أصحاب النفوذ، وخاصة مصدرو الكميات الكبيرة من الشامبو والعطورات والمواد الغذائية، استطاعوا الاستئثار بطاقات الشحن المتوفرة وهكذا تأخر شحن بضائعنا على الرغم من حصولنا على إجازة. وبعد كل الجهود التي بذلت تمكنا من تصدير ما يقارب ثلث الكميات المتعاقد عليها وبقيت الأقمشة واللوازم المتوفرة لإنتاج القسم الباقي من العقود في مستودعاتنا. وتمكنا في العام التالي من شحن بعض العقود الأخرى ليصبح نسبة العقود المشحونة 45%
بعد انقطاع الأمل بتصدير أية كميات إضافية من تلك العقود تخلف في مستودعاتنا كميات كبيرة من الملابس الجاهزة والأقمشة واللوازم المخصصة لتلك العقود ونظرا لطبيعة تلك العقود من حيث عدد القطع (حوالي   100.000 قطعة للموديل الواحد) وأشكال الموديلات وألوانها التي تحمل خصوصية السوق السوفييتي فقد بات من المتعذر إيجاد أسواق تصديرية بديلة لتصريفها مما اضطرنا إلى بيع الكثير منها في السوق المحلية بأسعار رمزية تراوحت بين 10-50% من كلفتها. كما تم إتلاف الكثير من المواد مثل لوازم التعبئة المطبوعة وورق الطباعة على القماش لتعذر بيعها وتقدر مجموع خسائر التخلص من مخلفات العقود الروسية بـ 45 مليون ليرة سورية.

 

إيجاد أسواق بديلة عن السوق السوفييتي

منذ بداية عام 1989 وضعت برنامجا لإيجاد أسواق بديلة عن سوق الاتحاد السوفييتي وتمكنت في نفس العام من تصدير بعض منتجاتنا إلى فرنسا وبيعها مباشرة للمستهلك الفرنسي، وكانت السوق الألمانية هدفا صعبا يتطلب مستوى عال من الجودة لذا بدأت البحث عن وسيلة لشراء الخبرة من إحدى الشركات الألمانية المتخصصة وكان لي ذلك فوقعت عقدا لتدريب 13 عنصرا كنت على رأسهم في مصنع ألماني ينتج القمصان ذات المستوى الرفيع. تم ذلك في النصف الثاني من تشرين الثاني 1989 وعند انتهاء مدة التدريب استطعت إقناع نفس الشركة بتصنيع جزء من منتجاتها في سورية. وبدأ الإنتاج بعقود صغيرة تجريبية في بداية 1990 وبذلك كنا أول شركة سورية تصنع لصالح شركة أوروبية مستفيدة من الاتفاقية الموقعة بين سورية والسوق الأوروبية الموقعة عام 1977. ويقضي هذا النوع من التصنيع (الإدخال المؤقت) بأن ترسل الشركة الأوروبية جميع الأقمشة واللوازم وتعليمات التصنيع التفصيلية عن طريق التصنيع ونسخة من الموديل المطلوب تصنيعه وخبيرا يشرف على الإنتاج وتأهيل الكوادر بحيث نقوم في سورية بالقص والخياطة والكوي والتعبئة ويطلق على هذا النوع من التصنيع عالميا تسمية C.M. . وكان ذلك مناسبا جدا ويوفر فرص للعمل دون الحاجة لتمويل المواد الأولية مما وفر إمكانية تشغيل العمال رغم عدم توفر السيولة.
لقد بدأنا هذا النوع من التصنيع في مطلع 1990 ومجمل شركاتنا تمر بأزمة صادرات الاتحاد السوفييتي مما جعلني استعيد الأمل في المستقبل إذا توقف التصدير إلى الاتحاد السوفييتي بشكل نهائي. لقد أعطتني العلاقة مع تلك الشركة المشهورة ثقة بالنفس وعززت سمعتي وفتحت لي أبواب السوق الأوروبي فتمكنت بعد فترة قصيرة من إقناع شركة ألمانية أخرى بالتصنيع عندنا وبكميات أكبر.

 

 بدء عقود التصدير مع شركة اديداس العالمية

في عام 1990 زار سورية وفد من شركة اديداس لبحث إمكانية التصنيع في سورية. وبعد الاطلاع على إمكانات مصنعي الملابس في دمشق وحلب استقر رأيهم على التعامل مع شركتي شريطة أن يتم الإنتاج في المنطقة الحرة بدمشق تفاديا للتعقيدات والبيروقراطية التي يمكن أن تؤدي إلى تأخير تسليم العقود. وما أن تم التعاقد حتى بدأت تأسيس معمل جديد أصبح جاهزاً للإنتاج خلال 90 يوماً في المنطقة الحرة بدمشق على الرغم من أن منتجات اديداس الرياضية تحتاج إلى العديد من الآلات التخصصية التي توجب علينا شراءها، وتم شحن بعضها بالطائرة فأغلقت معمل القدم ونقلت آلاته وعماله إلى المعمل الجديد في المنطقة الحرة للبدء بإنتاج عقود اديداس وكذلك كان علينا تدريب وتأهيل كوادر تستطيع تلبية متطلبات اديداس التي تختلف تقنية تصنيعا عن القمصان الرجالية والبلوزات النسائية فتم لهذه الغاية تدريب بعض فنيينا في معمل اديداس في فرنسا.
وعند بدء الإنتاج في صيف 1990 أرسلت أديداس خبيرا أقام في دمشق للإشراف على الإنتاج وكان نجاحنا كبيرا أدى إلى كسب ثقتها فزادت من عقودها بنهاية 1990 وبلغ إنتاج ذروته في شباط 1991 حيث زاد عدد العاملين لدى عن 500 عامل.
ولكن لسوء الحظ تطورت حرب الخليج بشكل متسارع وتم اتخاذ قرار بوقف جميع وسائل الشحن البحرية والجوية والبرية. ومن المعلوم أن شهر شباط هو ذروة موسم تسليم البضائع الصيفية. وخلال يوم واحد تلقيت من شركتي القمصان الألمانيتين قراراً بوقف التصنيع في سورية وعدم إرسال أية عقود جديدة نتيجة ما تكبدوه من أضرار لعدم استلامهم العقود التي أنتجناها في شهري كانون الثاني وشباط.
بقيت اديداس الزبون الوحيد الذي يقدر ظرفنا ووعد بزيادة الكميات ولكن توقف إنتاجنا من القمصان وما ترتب عن حرب الخليج واضطرارنا إلى شحن الكميات المتراكمة على حسابنا جواً تفاديا من التأخير رتب خسائر كبيرة زادت عن 20 مليون ليرة سورية أضيفت إلى خسائرنا الناتجة عن وقف التصدير إلى الاتحاد السوفييتي.

 

إلغاء الإعفاء الصناعي ورفع الضريبة 400 بالمائة وبأثر رجعي

 لقد تأسست شركة داريا (قباني وحملي وسيف) مستفيدة من الإعفاءات المالية المنصوص عليها بالمرسوم التشريعي 103 لعام 52 ولمدة 3 سنوات. وتم تثبيت ذلك بكتاب وزارة الصناعة تاريخ 18/04/88 أقرت هذا الحق مراقبة الدخل في تقريرها الذي قدمته عام 1990 وكتاب وزير المالية رقم 2612 بتاريخ 14/12/1989
في ربيع 1990 عقد اجتماع في مكتب وزير الاقتصاد حضره وزير المالية تقرر فيه وبكل بساطة رفع تقديرات الأرباح على صادرات الملابس إلى الاتحاد السوفييتي إلى أربعة أضعاف ما كانت عليه في الأعوام السابقة أي من 75.4 إلى 19% مع الإصرار على تنفيذ هذا القرار بأثر رجعي بدءاً من تكاليف 1987؟ وبعد فترة وجيزة من رفع نسبة الأرباح وبتاريخ 5/3/90 قررت لجنة الترشيد اعتبار جميع الصادرات إلى الاتحاد السوفييتي نشاطا تجاريا لا يستفيد من الإعفاءات المالية المنصوص عنها في المرسوم / 103 / لعام 1952. وبأثر رجعي أيضا يعود إلى تكاليف 1987. في البداية لم يصدق أحد أن هذه القرارات الجائرة والمخالفة للدستور سوف يتم تنفيذها وقام وفد من غرف الصناعة والتجارة بتقديم شكوى إلى وزير الاقتصاد منذرين بأن تطبيقها سوف يؤدي إلى إعلان إفلاس الكثير من الشركات في دمشق وحلب بعد مضي ما يقارب العام صدر القانون رقم / 20 / تاريخ 06/07/1991 القاضي بتخفيض النسب على الشرائح الضريبية كخطوة جديدة على طريق تشجيع الصناعة والتصدير وتضمن القانون المذكور ما يلي:

المادة / 5 / لا تستفيد عمليات التصدير إلى دول اتفاقيات الدفع من الإعفاء من ضريبة الدخل على الأرباح المنصوص عنها في المرسوم التشريعي رقم 103 لعام 1952 وتعديلاته المادة / 6 / ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية ويعتبر نافذا بدءا من أول سنة التالية لتاريخ صدوره، ولكن اجتهادات وزارة المالية ضربت بعرض الحائط النص الواضح في القانون وألغت حق الاستفادة من الإعفاء الصناعي لصادرات الاتحاد السوفييتي بأثر رجعي يعود لتكاليف 87 خلافا للقانون. كما عمدت وخلافا لنص وروح القانون وأسبابه الموجبة القاضية بتخفيض الشرائح الضريبية إلى رفع التكاليف الضريبية إلى 4 أضعاف وبأثر رجعي إلى عام 1987. وفعلا بات لزاما على أن أكون واحدا من أصحاب الشركات المفلسة حيث أن قرار رفع نسبة الربح 4 مرات وإلغاء الإعفاء الصناعي يلزمني بدفع حوالي 73 مليون ليرة سورية عن شركتي القدم وداريا بينما كانت حسب تقديراتنا قياسا بالسنوات السابقة (أي باستعمال حقنا بالإعفاء الصناعي لشركة داريا) لا تتجاوز 8 ملايين ليرة سورية أي أن ضريبة غير منظورة لم تكن في الحسبان بمبلغ 65 مليون ليرة سورية ستضاف إلى مجمل الخسائر التي تكلمت عنها سابقا والناتجة عن ملابسات وقف التصدير إلى الاتحاد السوفييتي حتى وصل مجموع الخسائر إلى 161 مليون ليرة سورية.

 

1991عام الخيارات الصعبة وتقرير المصير

بدأ عام 1991 والشركة ترزح تحت عبء خسائر فادحة ونقص حاد بالسيولة وكان الخيار الصعب بإعلان الإفلاس يبدو وكأنه النهاية الأكيدة للشركة مما يعني تكبد خسائر إضافية نتيجة بيع الموجودات والأبنية والمواد الأولية وتسريح جميع العاملين الذين وصل عددهم في تلك الفترة إلى حوالي 800 عامل وهذا يعني خسائر لا تعوض إذا ما قدرنا القيمة الحقيقية لمثل هذه المجموعة المتكاملة والمدربة على الأعمال التخصصية والتي اكتسبت خبرتها على مدى سنين طويلة. ثم جاءت حرب الخليج لتفاقم من الخسائر حيث اضطررت إلى تأجيل إعلان نسبة الأرباح للمساهمين ريثما يتم اتخاذ قرار نهائي بمصير الشركة في نهاية شهر آذار بدأ الحديث عن قرب بدء إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تشجيع القطاع الخاص الصناعي والتصدير وتجدد الأمل وزادت شركة اديداس من عقودها بشكل كبير فقررت بموافقة شريكي هشام منكش عدم إظهار الخسائر للمساهمين وإعلان نسبة ربح وهمية قدرت بـ (21%) عن عام 1990 وبالفعل صدر قانون الاستثمار رقم 10 بتاريخ 04/05/1991 ثم تبعها بتاريخ 06/07/1991 القانون رقم 20 القاضي بتخفيض الشرائح الضريبية بما يقارب الثلث وفي شهر تموز قام أحد كبار مدراء اديداس بزيارتنا في دمشق لمدة ثلاثة أيام وتركت في نفسه كل الحب والاحترام والتقدير للشعب السوري لما رأى من تفان بالعمل وسلوك حضاري عند العمال في الشركة حيث قمنا في نهاية زيارته بدعوته إلى حفل أعياد ميلاد العمال في مزرعة الشركة. فقضى أربع ساعات شاركهم حفلة السمر والبرنامج الذي احتوى الكثير من النشاطات الفنية والترفيهية. وكانت تلازمه مترجمة خاصة تطلعه على كل صغيرة وكبيرة وتفسح له مجال الحوار مع العمال. وعند اختتام الحفل وجه كلمة قال فيها.
لقد عزز هذا الأمل الجديد الذي أضيف إلى صدور المرسوم رقم 10 إمكانية الاستمرار وتعويض ما تكبدته من خسائر. وتطورت مفاوضات التوكيل بسرعة غير معهودة عند شركة اديداس. وفي آخر يوم عمل قبل عطلة عيد الميلاد اصطحبت شريكي هشام منكش إلى ألمانيا لتوقيع عقد التوكيل الذي كان بشروط ميسرة جدا جعلت منه أثمن هدية بمناسبة عيد الميلاد. بالإضافة إلى هذا الأمل الكبير جاء مؤتمر مدريد للسلام الذي عقد في تشرين الثاني فتعاظمت الآمال أكثر بالخروج من الأزمة.

حقوق النشر© إعلان دمشق للتغيير الوطني الديـمقراطي 2009